:تزاحمت وتراكمت في ذهني وأنا بصدد البحث عما أقوله وأكتبه في هذا الموضوع تساؤلات كثيرة تريد طرح نفسها ومنها

ـ ما جدوى البحث والتنقيب في خبايا وثنايا الأحداث التاريخية عن مهنة التوثيق في حيز جغرافي من هذه المعمورة اسمه الجزائـر على الخصوص، وفي الوطن العربي والإسلامي على العموم؟

ـ وما هي حالها ومميزاتها في ظل الأنظمة السياسية والإدارية المتعاقبة على الجزائر بدءا بالاحتلال الروماني ثم الحضارة الإسلامية العربية في شمال إفريقيا والأندلس مرورا بالحكم التركي ثم الاحتلال الفرنسي و انتهاء بالجزائر المستقلة؟

ـ من كان يمارسها ؟ ومن كان يشرف عليها؟ ومن كان يضع ضوابطها وشروط ممارستها؟

ـ وهل كان تولي الوظيفة أو المهنة يخضع لضوابط شرعية ذاتية أم حسب درجة الولاء للحاكم؟

إن مثل هذه التساؤلات وغيرها كثيرة، يصعب الإجابة عنها وإشباع رغبة المتسائل، إما بسبب شح المصادر والمؤلفات في الموضوع، وإما بسبب عدم اهتداء الباحث للمصدر التاريخي المناسب للسؤال المطروح.

ـ لأن البحث في خزائن وأدراج ورفوف التاريخ عن حال المهنة يكون بهدف تحسين أدائها في الحاضر والمستقبل وإلا كان العمل مضيعة للوقت كمن يشاهد فيلما مسليا وحسب.

ـ ولذلك وجدت نفسي انطلق من الوضع الحالي للمهنة اليوم نحو الماضي، وذلك بتعريف مفهوم التوثيق أو مفهوم الموثق من الناحيتين اللغوية والقانونية، حتى يكون مدخلنا للموضوع من الباب الأمامي لا الخلفي للمهنة.

ـ من الناحية اللغوية:

 

       فالموثق اسم مشتق من الفعل وثَّـق ( بتشديد و فتح الثاء ) و معناه إحكام ربط الصلة بين الطرفين (1)، يقال: < تم توثيق العلاقة بين شخصين أو عائلتين أو شعبين أو بلدين ... ألـخ >.

فالموثق - بهذا المعنى - هو من يدون (بواسطة الكتابة على مُحرًر رسمي) التزامات طرفين، أي يثبت ما تمً بين شخصين من اتفاق، فهو < مُوَثِّقٌ> ( بتشديد وكسر الثاء).

ـ وتتجسد الرابطة التي يُدوِنها الموثق في وثيقة تسمى " العقد" والعقد يعني -أيضا- ربط وشد طرفي شيئين ببعضهما، و المثال الواضح على ذلك ربط طرفي حبلين بحيث تسمى منطقة الربط أو الشد بـ:<<العقدة >> و هي مؤنث كلمة عقد، إذن فهو يؤدي نفس المعنى <<التوثيق أي الرابطة>> .

وهنا يجب التنبيه إلى أن هذا المعنى - في اللغة العربية - يختلف عن مقابله أو مرادفه في اللغة الفرنسية، وهو اسم

:<<NOTAIRE >> وهذا المصطلح في اللغة الفرنسية المشتق من الفعل(le verbe NOTER) الذي يعني تسجيل ملاحظة مهمة على هامش الموضوع، وأصلها لاتيني تحت اسم: NOTA (1).

ـ وهذا واضح أنه فعل لا يعني - في اللغة الفرنسية - ربط الصلة بين طرفين، ومن ثم فالفرق واضح بين اللغتين في مدى أداء الاسم لمعنى المسمى ودوره.

و من هنا يصح القول بأن معنى التوثيق في اللغة العربية هو أدق تعبيرا ووصفا لمهنة و دور الموثق مما هو في اللغة الفرنسية <NOTAIRE>.

ـ أما من الناحية القانونية:

فقد عرفته المادة الثالثة من القانون الجزائري الساري المفعول حاليا رقم 06/02 المؤرخ في 20/02/2006 المتضمن مهنة الموثق كما يلي : <<الموثق ضابط عمومي، مفوض من قبل السلطة العمومية، يتولى تحرير العقود التي يشترط فيها القانون الصبغة الرسمية، وكذا العقود التي يرغب الأشخاص إعطاءها هذه الصبغة>>.

وهو التعريف الذي لا يختلف في جوهره عن التعريف المنصوص عليه في القانون الفرنسي المؤرخ في (02/11/1945)­(2) الذي عرف الموثقين بأنهم: <<ضباط عموميون مؤهلون لتلقي العقود (ACTES) والاتفاقات (CONTRATS) التي يريد الأطراف إعطاءها الصبغة الرسمية>>.

ـ وهو التعريف الذي جاء ليعدل التعريف السابق والسائد في فرنسا ومستعمراتها منذ قرابة القرن ونصف القرن من الزمن (من 1803 إلى 1945)، كان الموثقون خلال هذه الفترة من الزمن موظفون في ظل القانون المسمى: <<LOI DU 25 VENTOS AN XI du 16/03/1803>> الذي أصدره الإمبراطور نابوليون بونابارت الذي ينسب إليه – أيضا – إصدار القانون المدني الفرنسي سنة 1806 والذي يعتبره الكثير – اليوم – أبو القوانين الوضعية ومصدرها، وهو –في جل أحكامه- مأخوذ عن الشريعة الإسلامية كما يؤكد ذلك مؤرخوا الفقه الإسلامي وينكره نظراؤهم من الغربيين(3).

ـ هذه الشخصية (الموثق) المهنية التوثيق هي التي نريد أن نكشف النقاب عن مدى وجودها وتطورها في تاريخ الجزائر القديم والحديث لتقييم وضعها اليوم، ونضع تصورا لها غدا، فمن أين نبدأ؟

ـ لقد جرت العادة -عند المؤرخين- على احترام التسلسل الزمني الطبيعي في سرد الأحداث والوقائع التاريخية، ونحن نقتدي ونحترم هذا المنهج في موضوعنا هذا، ونبدأ بالحقبة الرومانية، ما دامت المصادر التاريخية الغربية تصر على أن التوثيق كمهنة صناعة رومانية

التوثيق في الجزائر أثناء الاحتلال الروماني لها:

 إذا سلمنا –جدلا- بأن أول من أسس لمهنة التوثيق وأرسى بعض قواعدها هم الرومان، -كما تؤكد ذلك جل المصادر التاريخية والمؤسسات المتخصصة الغربية- فإن مهنة التوثيق مورست في الجزائر قبل الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا. فقد جاء في مذكرة الاتحاد الدولي للتوثيق اللاتينـي(1) تحت عنوان <<LE NOTARIAT DANS L’HISTOIRE>> ما معناه:<< ..... أن التوثيق الحديث تمتد جذوره إلى القرن الثاني للميلاد>>.

وأن طبقة من الكتاب المتمرسين كانت تسمى: <<LES TABELLIONES>> قد ظهرت بين القرنين الثاني والثالث للميلاد كانت حاضرة في كل عملية تجارية قانونية، تدون المعاملات بين التجار بناء على معايير محددة ودقيقة (نعيد نسخها – هنا - باللغة اللاتينية التي كتبتها المذكرة: - INSTRUMENTA FORMARE , - LIBELLOS, - CONCIPERE, -TESTATIONES CONSIGNARE, وتعني: تحرير وحفظ وثائق في شكل معين من قبل كتاب محترفين).

ـ ثم تطورت – تضيف المذكرة- تدريجيا قرنا بعد قرن في أوروبا إلى أن وصلت إلى وضع القانون المدني الفرنسي وقانون فانتوز المشار إليهما آنفا، كما انتقلت إلى أمريكا (دول أمريكا الجنوبية اليوم) مع كريستوفر كولومبس الذي اصطحب موثقا اسمه (ESCRIBANO) بعد أن وضع رجل القانون المدعو Ronaldino dei Passeggeri مؤلفه سنة 1255 تحت عنوان: <<Summa artis Notaria>> الذي ظل يعتبر المرجع الأساسي للتوثيق في أوروبا حتى القرن السابع عشر الميلادي.

ـ وإذا نظرنا إلى هذه المصادر بموضوعية وسلمنا بأن فن التوثيق كان له وجود وأثر في الجزائر قبل الفتح الإسلامي، فالمؤكد أن مزاياه لم تكن لتنال الجزائريين أي السكان الأصليين، بل كانت مقتصرة على الرومان المحتلين في معاملاتهم وخاصة المعاملات التجارية والمدنية ذات الأهمية. لذلك لا يمكن اعتبار مهنة التوثيق ذات هوية جزائرية في تلك المرحلة مهما بلغت من الدقة والتطور، فهي – في رأينا – تظل إدارة لخدمة المستعمر شأنها في ذلك شأن التوثيق في الجزائر خلال الاحتلال الفرنسي كما سيأتي بيانه أدناه.

إن الغرب –اليوم– لا يعترف إلا بوجود نظامين للتوثيق في العالم هما: النظام اللاتيني، والنظام الأنجلوسكسوني:

ـ فالنظام اللاتيني هو ما سبقت الإشارة إليه من حيث المصدر التاريخي وهو يتميز –اليوم- بفرض شكليات مفرطة في قيد المعاملات (عقد رسمي –أمام موظف أو ضابط عمومي- قيد التصرف في سجلات رسمية، وإدارات عمومية ونشر وإشهار.... إلخ) وهو النظام المنتهج –اليوم- من أكثر من ثمانين دولة مساهمة في اتحاده المشار إليه أعلاه وعلى رأسها فرنسا.

(1) أنظر ص 9 من مذكرة إدارة الإتحاد الدولي للتوثيق اللاتيني مقرها بروما إيطاليا تم توزيعها بمناسبة المؤتمر العالمي ال26 للتوثيق المنعقد بمراكش (المغرب) من 03 إلى 06 أكتوبر 2010.

ـ أما النظام الأنجلوساكسوني فيتميز بقلة الشكلية في المعاملات والعقود، فلا تخضع كل أنواع العقود إلى نفس الشكليات المشروطة في النظام اللاتيني، لأن النظام الأنجلوسكسوني يقوم على نظرية <<دعه يعمل دعه يمر>> ومن ثم إتباع أسلوب سرعة إنجاز المعاملة وبلوغ الغاية منها في وقت وجيز، وهو النظام المتبع في انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية والدول تتبع أنظمتها الاقتصادية والإدارية في آسيا وإفريقيا.

ـ وبين النظامين مباهاة وتحدي بأيهما الأصلح والأفضل لنظام الدولة في ضبط المعاملات والتصدي للنصب والاحتيال على الدولة والأفراد، فالنظام اللاتيني يحمل النظام الأجلوسكسوني – مثلا- عبء الأزمة المالية لسنة 2008 خاصة من حيث إفلاس البنوك بسبب الرهون العقارية لأن الرهون في النظام الأجلوسكسوني غير خاضعة لإجراءات القيد والنشر تحت طائلة البطلان كما الشأن في النظام اللاتيني.

ـ لكن أهم عامل مشترك بينهما هو نكران وجود نظام إسلامي له مميزاته ومصادره الخاصة

التوثيق نظام إسلامي متميز:

       إن الباحث عن أصل نشوء مهنة التوثيق وممارستها عند العرب والمسلمين منذ نزول القرآن الكريم إلى حين سقوط الخلافة العثمانية لا يسعه إلا الإعتراف بوجود نظام مميز عن النظامين السابقين، قوامه <<لا إفراط ولا تفريط في إثبات المعاملات>>.

ـ وقد كان التوثيق عند علماء وفقهاء المسلمين منذ القرن الأول للهجرة علم وفن وصناعة تعرضوا له بالدراسة والتحليل المستفيضين، فهذا الإمام الونشريسي(1) يصفها بما يلي: << علم الوثائق علم شريف يلجأ إليه الملوك والفقهاء وأهل الطرق والسوقة والسواد، كلهم يمشون إليه ويتحاكمون بين يديه ويرضون بقوله ويرجعون إلى فعله فينزل كل طبقة مرتبتها ولا يخل بها من منزلتها....>>

ففي بلادنا الجزائر ـ سواء بحدودها الحالية أو حدودها المتغيرة حسب الأنظمة المتعاقبة عليها ـ لا يمكن الحديث عن هذا المصطلح << التوثيق>> حتى بمفهومه الواسع وهو << كتابة التزامات الناس من طرف كاتب عالم ومحايد >> إلا منذ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا في القرن السابع للميلاد، لأن الدول والإمارات التي تعاقبت على إدارة كل أو جزء أو أكثر من الحدود المعروفة حاليا للجزائر بدء بالدولة الرستمية مرورا بالدولة الحمادية ثم الموحدية وانتهاء بالخلافة العثمانية (2)، كلها كانت ذات مرجعية نظام إسلامي محكم في إدارة أمور الدولة، ومنها مسك وتسيير الدواوين الحكومية أو ما يسمى اليوم بالإدارة. وقد كانت مهمة التوثيــق ـ بهذا المفهوم ـ وهو جزء من الديوان أو الإدارة، بغض النظر عن مدى تبعيتها لإدارة الدولــة أو استقلاليتها عنها.

(1) <<الوقف في الفكر الإسلامي>> الجزء (1) ص 339 للأستاذ محمد بن عبد العزيز بنعبد الله طبعة 1996.

(2) أنظر تاريخ الجزائر العام للعلامة عبد الرحمان بن محمد الجيلالي (4 أجزاء) عن ديوان المطبوعات الجامعية في التسلسل التاريخي لتعاقب الدويلات الإسلامية على حكم الجزائر.

       هذه المرجعية الأساسية هو القرآن الكريم في آية التَّدَايُنْ التي كانت أول الضوابط الشرعية التي أنشأت كاتب محايد وحدد شروط ممارسته لهذه المهمة ومنها: العدل، و العلم بالإضافة إلى إتقان قواعد اللغة التي يكتب بها حيث قال عز وجل: { ... وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ ... } (1).

ثم أمر المولى عز وجل بوجوب إملاء الالتزام على هذا الكاتب من طرف الذي عليه الحق أو من طرف وليه {... وَلْيَُمْلِلْ الذِي عَلَيْهِ الحَقُّ...}، كما أمر بوجوب الإشهاد على حادثة الكتابة من قبل رجلين:{...وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ...}، وهي شروط متعلقة بأهلية الأطراف ومصداقية العقد.

ومن ثم انطلق التوثيق ليس فقط كمهنة أو وظيفة في الدولة ولكن كرسالة ربانية أداها وأرسى قواعدها الفقهاء والحكام في بلاد الإسلام شرقا وغربا وعنهم أخذها الأوروبيون وخاصة من الحضارة الأندلسية، ولا أدل على ذلك من كون الفقهاء الذين يعترف لهم النظام اللاتيني بأنهم واضعوا أسس التوثيق هم إسبان؟؟ كما أشرنا آنفا

تطبيق التوثيق في النظام الإسلامي:

     كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو أول من أعطى المثال على تطبيق الآية الكريمة كما ثبت من عدة مصادر تاريخية، فبالإضافة إلى المعاهدات التي كتبها ـ بواسطة كتاب عدل ـ فقد حفظ لنا التاريخ أقدم  عقد عقده رسول الله  صلى الله عليه وسلم في مجال العقود الخاصة، أورده السيد عبد الحي الكتاني(2) في كتابه <<التراتيب الإدارية>>، كنموذج لإثبات الإلتزام بالكتابة لا شفاهة ولا في شكل طقوس عندما أعتق أحد غلمانه : بسم الله الرحمان الرحيم  "كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم، إني أعتقك لله عتقا مقبولا، الله أعتقك وله المن علي وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك، إلا سبيل الإسلام وعصمة الإيمان، شَهِـدَ  بذلك  أبو  بكر وشَهِـدَ  عثمان  وشَهِـدَ  علي،  وَكَتَبَهُ معاوية  بن  أبى  سفيان".

ـ وكذلك عقد الوقف الذي أوقفه صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل "تميم الداري" بالخليل (أرض فلسطين حاليا) بعد عودته من غزوة تبوك، كما حفظ لنا التاريخ وثائق للخلفاء الراشدين نذكر منها وثيقة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه التي تصدق فيها بأرض له تدعى "تمــغ" ومما جاء فيها:

"هذا ما كتب به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، على الفقراء والمساكيـن وذوي القربى وفي سبيل الله، وابن السبيل ولا  جناح على من وليها أن يوكل منها بالمعروف"(3). وهو عقد خاص وليس عقد دولة أي أنه لم يأمر به كخليفة

.

النص الكامل